حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )

76

رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي

الممكنات لم يكن لها قبل ظهورها في الأعيان ثبوت ، لكنّ العلم المحيط أكسبها وجودا علميّا أزلا وأبدا ، فإنّ العلم الآلهيّ مدرك للماضي الذي وقع منها وللمستقبل الذي لم يقع منها ، ولوقوعه إذا وقع مّما لا بدّ من وقوعه ، ولما يمتنع وقوعه منها إذا استمرّ امتناعه ، ولما لوجود وقوعه من الممتنع أن لو وقع كيف كان يقع إدراكا واحدا ولا يدخل تحت الزمان ، بل الزمان وما فيه تحته . فعلم اللّه بالكون أنّه سيكون هو عين علمه أنّه قد كان علما أزليّا أبدّيا واحدا لا ينقسم . وإذا كانت نقطة المركز التي لا تنقسم موازية لكلّ نقطة [ في ] المحيط ولم تتكثّر بكثرة الموازيات ، فعلم اللّه أحرى أن لا يتكثّر بكثرة المعلومات ، والعلم يثبت بثبات المعلوم ويتغيّر بتغيّره ، والحق تعالى لا يتغيّر فالعلم به لا يتغيّر ، والعلم تابع للمعلوم ، وليس له فيه أثرّ بل للمعلوم في العلم أثر ، فيعطيه من نفسه ما هو عليه في عينه ، والعلم لا يعطي المعلوم زيادة في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أحواله ، فأحوال الأعيان الثابتة لا تتبدّل عمّا علمت عليه ، إذ الحقائق لا تتبدّل وهي كلمات اللّه ، قال اللّه تعالى : « لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ » 74 . فإذا علم العبد ، أي انكشف له من عينه الثابتة وانتقالات الأحوال عليها إلى ما لا يتناهى كان علمه بنفسه بمنزله علم اللّه به لاتّحاد المعدن ، لأنّ الحقّ تعالى يأخذ علمه بالأعيان الثابتة منها ، لأنّ علمه تابع لمعلومه . وكذلك هذا العبد إنّما يأخذ العلم المفصّل من المعلوم ، وكل من علمه صحيح إنّما يأخذ علمه من معلومه ، فإن قيل إذا حصل لعبد من العبيد علم عينه الثابتة وعلم ما يكون عليه في حال الوجود ، والحقّ تعالى هو يعلم الأعيان الثابتة أيضا مثل هذا العبد بعينه ، فما الفرق بين علم اللّه وعلم هذا العبد ؟ . قلنا لمّا سبقت عناية اللّه لهذا العبد بأن يعلم هذا العلم صار علمه مستفادا ، والحقّ تعالى علمه ذاتيّ أزليّ أبديّ ، فافترق علم اللّه تعالى من علم هذا العبد . وإذا كان العلم المستفاد من وجود المعلوم يسمّى علما ، وهو علم العبد ، كيف لا تسمّى الصفة الآلهية التي هي ينبوع الموجودات كلّها علما ؟